إخوان الصفاء

46

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

بشبه الموافق ، ويظهر لك المحبة ، وخلافها في صدره وضميره ، فلا تغترّ ، أو تتيقّن . واعلم أن أعمال الناس في ظاهر أمورهم تكون بحسب أخلاقهم التي طبعوا عليها ، وبحسب عاداتهم التي نشأوا عليها ، أو بحسب آرائهم التي اعتقدوها . فإذا رأيت الرجل معجبا صلفا ، أو نكدا لجوجا ، أو فظّا غليظا ، أو مماحكا مماريا ، أو حسودا حقودا ، أو منافقا مرائيا ، أو بخيلا شحيحا ، أو جبانا مهينا ، أو مكّارا غدرا ، أو متكبرا جبّارا ، أو حريصا شرها ، أو كان محبّا للمدح والثناء أكثر مما يستحق ، أو كان مزريا لنظرائه ، أو كان مستحقرا لأقرانه والناس ، ذامّا لهم ، أو متّكلا على حوله وقوته ، فاعلم أنه لا يصلح للصداقة وصفوة الأخوّة ، لأن هذه الأخلاق والآراء والعادات مفسدة لاعتقاده لإخوانه : وذلك أن من يختر المطالبة بما لا يجب له ، لا تسمح نفسه ببذل ما يجب عليه ، وهكذا الحسود واللجوج والغضوب تمنعه هذه الأخلاق عن الإذعان للحق ، وهكذا اللجاج والتكبّر يمنعان عن قطع الجدال والخلاف ، وكذلك الفظاظة والغلظة تمنعان من العذوبة والسهولة ، والشراسة والغضب يهيجان على المكابرة . وبالجملة كل هذه الأخلاق مفسدة للمودة ، ومحالفة لصفوة الأخوة ، مستثقلة للنفوس ، وموحشة للأنس والراحة ، ومنفّرة لإلف الطباع ، ومنغّصة للعيش ، ومبغّضة للحياة . واعلم أن الصداقة لا تتمّ بين مختلفين بالطبع ، لأن الضّدّين لا يجتمعان . مثال ذلك السخيّ والبخيل فإنهما متضادّان في الطبع ، فلا تتم بينهما الصداقة ، ولا تصفو لهما المودة ، ولا يهنيهما العيش ، لأنه إذا فعل السخيّ شيئا مما يوجبه سخاؤه من بذل المال أو المعروف ، رآه البخيل بصورة المضيّع قد فعل ما لا ينبغي ولا يجوز . وإذا فعل البخيل بطبعه شيئا من إمساك المال مما يوجبه بخله ، رآه السخيّ بصورة من قد أتى منكرا لا يحسن فعله ، فيصير ذلك سببا لعيب كل واحد منهما على صاحبه ، حتى يعتقد البخيل في السخيّ